ابن قيم الجوزية
30
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وحى لها القرار فاستقرت وهو أقسام ، كما سنذكره . المرتبة الثالثة : إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري . فيوحي إليه عن اللّه ما أمره أن يوصله إليه . فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء ، لا تكون لغيرهم . ثم هذا الرسول الملكي قد يتمثل للرسول البشري رجلا ، يراه عيانا ويخاطبه . وقد يراه على صورته التي خلق عليها . وقد يدخل فيه الملك ، ويوحي إليه ما يوحيه ، ثم يفصم عنه ، أي يقلع . والثلاثة حصلت لنبينا صلى اللّه عليه وسلم . المرتبة الرابعة : مرتبة التحديث . وهذه دون مرتبة الوحي الخاص ، وتكون دون مرتبة الصدّيقين ، كما كانت لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إنه كان في الأمم قبلكم محدّثون ، فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب » . وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه اللّه يقول : جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا . وعلق وجودهم في هذه الأمة ب « إن » الشرطية ، مع أنها أفضل الأمم ، لاحتياج الأمم قبلنا إليهم ، واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته ، فلم يحوج اللّه الأمة بعده إلى محدّث ولا ملهم ، ولا صاحب كشف ولا منام ، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها . والمحدّث : هو الذي يحدّث في سره وقلبه بالشيء ، فيكون كما يحدث به . قال شيخنا : والصدّيق أكمل من المحدّث . لأنه استغنى بكمال صدّيقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف . فإنه قد سلّم قلبه كله وسره وظاهره وباطنه للرسول . فاستغنى به عما منه « 1 » . قال : وكان هذا المحدّث يعرض ما يحدّث به على ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فإن وافقه قبله ، وإلا رده . فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث . قال : وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات « حدثني قلبي عن ربي » فصحيح أن قلبه حدثه ، ولكن عمّن ؟ عن شيطانه ، أو عن ربه ؟ فإذا قال « حدثني قلبي عن ربي » كان مسندا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به ، وذلك كذب . قال : ومحدّث الأمة لم يكن يقول ذلك ، ولا تفوّه به يوما من الدهر . وقد أعاذه اللّه من أن يقول ذلك . بل كتب كاتبه يوما « هذا ما أرى اللّه أمير المؤمنين ، عمر ابن الخطاب » فقال « لا . امحه ، واكتب : هذا ما رأى عمر بن الخطاب . فإن كان صوابا فمن اللّه ، وإن كان خطأ فمن عمر ، واللّه ورسوله منه بريء » وقال في الكلالة « أقول فيها برأيي . فإن يكن صوابا فمن اللّه . وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان » فهذا قول المحدّث بشهادة الرسول صلى اللّه عليه وسلم : وأنت ترى الاتحادي والحلولي والإباحي الشطاح ، والسماعي : مجاهر بالقحة والفرية . يقول « حدثني قلبي عن ربي » .
--> ( 1 ) كذا في الأصل . ولعل الصواب « لرسالة الرسول ، فاستغنى بها عن التحديث » لأن الصديقية تكون أيضا بعد موت الرسول ، كما نرجو أن يكون شيخ الإسلام وتلميذه من الصديقين ، وإنما كان تسليمهم لرسالة الرسول صلى اللّه عليه وسلم علما وعقيدة وعملا وحالا وأدبا وخلقا ، ودعوة وحبا وكرها وموالاة .